الكربون (ISO 14064) والمياه (ISO 14046): التحضير للتحقق
في إدارة الاستدامة المؤسسية، تُعد معايير ISO 14064 (حساب والتحقق من البصمة الكربونية) وISO 14046 (تقييم البصمة المائية) أطرًا مرجعية أساسية. هذه المعايير تمكّن المؤسسات من قياس تأثيراتها البيئية، والتحقق منها، والإفصاح عنها بشفافية أمام أصحاب المصلحة. التحضير الجيد لا يضمن الامتثال فحسب، بل يعزز أيضًا سمعة العلامة التجارية، وثقة المستثمرين، واندماج سلسلة التوريد.
يشمل التحضير خطوات منهجية: تحديد الحدود والنطاق، جمع البيانات، اختيار عوامل الانبعاث، إعداد خطط التخفيض، والامتثال لمعايير التقارير الدولية مثل CDP. النهج المنظم يضمن المصداقية والقيمة الاستراتيجية طويلة المدى.
ملاحظة هامة
لا تُعد معايير ISO 14064 وISO 14046 أدوات للرصد فقط؛ بل هي أدوات استراتيجية لإدارة المخاطر، والتواصل مع المستثمرين، وتحقيق ميزة تنافسية عالمية. التحضير الصحيح يقلل من تكاليف التحقق المستقبلية.
الحدود والنطاق (Scope 1-2-3)
الخطوة الأولى في عملية التحقق من البصمة الكربونية والمائية هي تحديد الحدود والنطاق. ووفقًا لـ ISO 14064، يتم تقسيم مصادر الانبعاث إلى ثلاثة مستويات رئيسية:
- Scope 1: الانبعاثات المباشرة من المصادر الخاضعة لسيطرة المؤسسة (مثل احتراق الوقود، وانبعاثات العمليات الصناعية).
- Scope 2: الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن استهلاك الكهرباء أو الحرارة أو البخار المشتراة.
- Scope 3: الانبعاثات غير المباشرة عبر سلسلة التوريد مثل النقل، السفر، ودورة حياة المنتج.
أما بالنسبة للبصمة المائية وفقًا لـ ISO 14046، فيجب أن يشمل النطاق كمية الاستهلاك إضافة إلى حساسية الأحواض المائية، نسب إعادة المياه، ومستويات الإجهاد المائي الإقليمي. السياق الجغرافي له دور حاسم هنا.
"ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته." – بيتر دراكر
جمع البيانات وتحليل الفجوات
تعتمد مصداقية عمليات التحقق وفق معايير ISO 14064 وISO 14046 على دقة وموثوقية البيانات المجمعة. يجب تسجيل استهلاك الطاقة، استخدام الوقود، نقاط سحب المياه، وتصريف مياه الصرف بشكل منهجي. ينبغي أن تكون البيانات مدعمة بالتوثيق العددي والعملياتي.
تحليل الفجوات يوضح إلى أي مدى تتوافق البيانات الحالية مع متطلبات المعيار. أي بيانات مفقودة أو غير قابلة للتحقق أو ضعيفة التتبع يجب معالجتها قبل الانتقال إلى مرحلة التحقق. هذا يقلل من المخاطر والتكاليف الناتجة عن التأخير.
نصيحة استراتيجية
استخدام منصة رقمية مركزية لجمع البيانات يعزز الشفافية أثناء التدقيق ويزيد من التنسيق بين الأقسام المختلفة في المؤسسة.
عوامل الانبعاث ومجموعة الأدوات
تعتمد دقة الحسابات على اختيار عوامل الانبعاث المناسبة. تختلف هذه العوامل باختلاف مزيج الطاقة الإقليمي، أنواع الوقود، والتقنيات المستخدمة. يجب الاعتماد على قواعد بيانات معترف بها دوليًا مثل IPCC وDEFRA.
يمكن للمؤسسات استخدام برامج وأدوات خاصة (حاسبات الكربون، أدوات تقييم دورة الحياة، نماذج البصمة المائية) لتسهيل العمليات الحسابية. ومع ذلك، من الضروري أن تتوافق هذه الأدوات مع المنهجيات المقررة في معايير ISO. في حالة البصمة المائية، يُفضل استخدام النماذج التي تأخذ بعين الاعتبار مؤشرات ندرة المياه الإقليمية.
نهج أخذ العينات
في المنشآت الكبيرة وسلاسل التوريد المعقدة، من الصعب التحقق من جميع نقاط البيانات بنسبة 100%. لذلك يتم تطبيق منهجية أخذ العينات، بحيث يتم اختيار بيانات تمثيلية ذات دلالة إحصائية وتغطية تشغيلية كافية لجعل عملية التحقق أكثر قابلية للإدارة.
وفقًا لمعايير ISO 14064 وISO 14046، يجب تصميم منهجية العينات بالاتفاق مع جهة التحقق. وينبغي أن تعكس العينات التنوع التشغيلي والجغرافي لتعزيز مصداقية النتائج. هذا يضمن إمكانية تعميم الاستنتاجات على جميع العمليات.
"من خلال عينة بيانات صحيحة، يمكن للقليل أن يوضح الكثير."
منهج التحقق والأدلة
تعتمد عملية التحقق على أساليب شفافة وقابلة للتدقيق. من بين أبرز الأساليب الملاحظة المباشرة، مراجعة الوثائق وإعادة الحساب. يتعين على جهة التحقق الإفصاح بوضوح عن المنهجية المعتمدة في تقاريرها الرسمية.
تشمل الأدلة: فواتير الطاقة، سجلات الإنتاج، بيانات عدادات المياه، الملاحظات الميدانية، وشهادات من أطراف ثالثة. يجب أن تكون الأدلة متكاملة، مستقلة، وقابلة للتتبع. في تقييم البصمة المائية، يُعتبر توفر بيانات محدثة عن الأحواض المائية أمرًا بالغ الأهمية.
توقعات الجهة المصدقة
الأرشفة المنتظمة، سهولة الوصول الرقمي، وإمكانية تتبع البيانات عبر السنوات هي من أبرز المعايير التي تركز عليها جهات التحقق.
خطة التخفيض والهرم المستهدف
لا يقتصر التحقق على القياس والتأكيد فحسب، بل يتطلب أيضًا وضع خطط تخفيض مستقبلية. يجب على المؤسسات تحديد أهداف قابلة للقياس استنادًا إلى بصمتها الأساسية، وتقسيمها إلى مراحل قصيرة، متوسطة وطويلة الأجل.
يقدم هرم الأهداف إطارًا منظمًا: في القاعدة تحسين الكفاءة واستهلاك الطاقة، في المستوى المتوسط الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وتحديث التقنيات، وفي القمة التحولات الجذرية مثل إعادة تصميم دورة حياة المنتجات أو إعادة هيكلة سلاسل التوريد. هذا النهج يضمن التوازن بين النجاحات السريعة والاستراتيجيات طويلة الأمد.
التقارير الشفافة (CDP وغيرها)
تضمن أطر الإفصاح العالمية أن البيانات البيئية لا تبقى حبيسة المؤسسة فقط، بل يتم مشاركتها بشفافية مع الأطراف الخارجية. منصات مثل CDP وGRI وTCFD تربط المؤسسات بالمستثمرين والجهات التنظيمية والعملاء.
وضوح البيانات، اتساق المنهجية، ودقة الأرقام عناصر أساسية لبناء المصداقية. إن تقديم بيانات تم التحقق منها عبر CDP يعزز النتائج في التقييمات الدولية ويزيد من ظهور المؤسسة في المؤشرات العالمية.
"الشفافية تولد الثقة، والثقة تجعل الاستدامة ممكنة."
تكامل سلسلة التوريد
غالبًا ما تكمن أكبر التأثيرات في انبعاثات النطاق 3 (Scope 3) التي تشمل سلسلة التوريد بأكملها. من استخراج المواد الخام إلى النقل والتعبئة واستخدام المنتجات، تنشأ انبعاثات واستهلاك مياه كبير. لذا، يجب على المؤسسات إشراك الموردين بشكل فعال في عملية التحقق.
يشمل التكامل الفعّال: طلب بيانات موحدة من الموردين، توفير برامج تدريبية، وتنفيذ مشاريع تخفيض مشتركة مثل تحسين كفاءة الطاقة أو إعادة استخدام المياه. يحقق هذا التكامل مزايا مالية ويعزز موثوقية عمليات التحقق.
نقطة حرجة
يضمن إشراك سلسلة التوريد نشر ثقافة الاستدامة ليس فقط داخل المؤسسة، بل في جميع أجزائها وشركائها.
الخطة الاتصالية المؤسسية
بعد اكتمال عملية التحقق، يجب مشاركة النتائج بشكل فعال مع أصحاب المصلحة داخليًا وخارجيًا. الخطة الاتصالية المؤسسية تضمن أن المعلومات يتم عرضها بالصيغة واللغة المناسبة لكل جمهور مستهدف. فالتقارير الموجهة إلى المستثمرين قد تتضمن تفاصيل تقنية، بينما المواد الموجهة إلى العملاء يجب أن تكون مبسطة ومدعومة بالرسوم التوضيحية.
تشمل قنوات الاتصال: تقارير الاستدامة السنوية، البيانات الصحفية، المواقع الإلكترونية، وسائل التواصل الاجتماعي، واجتماعات أصحاب المصلحة. كما أن عرض نتائج التحقق كجزء من سمعة العلامة التجارية والميزة التنافسية يُعد خطوة استراتيجية هامة.
